لماذا لا تطبع الحكومات أموالا للجميع و تصبح كل الشعوب أغنياء؟ 4 نقاط تشرح لك


(1)

لم يستعمل الإنسان النقود إلا عندما ترك حياته البدائية، فكان دائم التنقل ولم يكن في حاجة إلى عملية تبادل، فكل شيء موجود للجميع، ولكن عندما استقر الإنسان وأصبح يعيش في مناطق مختلفة و تكونت مجتمعات و كلُ فرد أصبح لديه حرفة و يقدم سلعة أو خدمة مفيدة يحتاجها الناس و يريدونها واحتاج البشر في كل منطقة إلى ما يملكه بشر المناطق الأخرى، ظهرت الحاجة إلى ضرورة ايجاد وسيلة لتبادل هذه السلع و الخدمات فنشأ نظام المقايضة.
و مع زيادة عدد السلع و الخدمات و اختلاف جودتها أصبح من الصعب أن يعثر الفرد منا على ما يريده بالجودة المطلوبة مع نفس الشخص الذي يتقايض معه و ظهرت مشكلة أخرى في تقدير قيمة السلع والخدمات فظهرت الحاجة لوسيط عام يريده كل الناس، ويمكن من خلاله تحديد قيمة السلع و الخدمات و بالتالي تتم المقايضة هذا الوسيط هو ما أطلق عليه النقود.

و لكن ما هي النقود ؟

يعرّف الاقتصاديون النقود بأنها أي شئ مقبول قبولا عاما  يحمل في ذاته قيمة يمكن قياسه يستخدم للدفع من أجل الحصول على السلع و الخدمات أو من أجل تسديد الديون.

واختار كل مجتمع نقوده (الوسيط الذي يناسبه ) فتنوعت النقود في المجتمعات ما بين السمك والحيوانات مثل البقر و الخرفان و بعضها الآخر يستخدم الأصداف أو المعادن مثل الحديد و النحاس في حين استخدم البعض الملح و الحبوب كالقمح . فالصينيون اختاروا المحار على أنه الوسيلة الرسمية للتبادل وفي بلاد اليونان كانت الجارية تباع بأربعة ثيران .

ولكن بعد فترة طويلة من الزمن و بسبب ظهور التجارة و تطورها و توسعها، ليس بين الأفراد فحسب، بل بين المجتمعات أيضا فأصبح تبادل السلع و الخدمات على نطاق أكبر عالمي فاحتاج البشر إلى نقود موحدة تكون نقودا عالمية فاتفقوا على المعادن النفيسة وخصوصا الذهب و الفضة .

(2)

لماذا الذهب و الفضة ؟! … لتوافر 4 شروط مهمة بهم :

1- متجانسة في الحجم و الشكل فلا تختلف قيمتها باختلاف شكلها أو حجمها فالأصداف مثلا فيها الكبير و الصغير بينما أي جرام (ذهب/فضة) في العالم فله نفس القيمة .
22- قابلة للتجزئة دون أن تفقد قيمتها: ففي حين أنك تشتري منزلا بمائة بقرة،  ولكن حينما تأتي لتشري خبزا أو بيضا ستحتاج لتجزئة البقرة فتذبحها لتصبح لحم و بالتالي تفقد قيمتها؛ لأنها لم تعد بقرة، و لأن اللحم يفسد بينما (الذهب/الفضة) يمكن تجزئتهما لجرام أو 10 او 1000 جرام و يظل محتفظا بقيمته .

3- قيمتها العالية بسبب صعوبة الحصول عليها و ندرتها فمثلا الملح يتوفر فيه الشرطان السابقان: فهو  متجانس و قابل للتجزئة، لكنه سهل الحصول عليه من مياه البحر.

4- سهلة الحمل و التخزين فتستطيع أن تحفظها معك في جيبك أو تخزنها لتدخرها لوقت آخر دون أن تفسد مثل القمح أو السمك أو اللحم .

وبسبب توافر تلك الشروط في الذهب و الفضة أصبحا النقود الرسمية العالمية .

استخدمت معادن الذهب والفضة وتعامل بها الناس على أساس الوزن دون أن تكون هناك جهة موحدة لإصدارها بل كان تشكيل المعادن مشاعا بين الناس.

وبمرور الزمن واختلاف أنواع المعادن وخصوصاً الذهب وجهل الناس بطرق تقدير الوزن والنوع كثر التلاعب مما أجبر الحكام إلى التدخل في شئون النقد.

و احتكروا عملية إصدار النقود من المعادن النفيسة عبر سكها على شكل قطع معدنية مختلفة. و كان لكل قطعة نقود وزن وعيار معلوم، وتختم بختم يدل على مسئولية الحاكم عن الوزن والعيار؛ لتصبح النقود بذلك معدودة بعد أن كانت موزونة. استمر التعامل بهذه النقود المعدنية المسكوكة قروناً متطاولة لما فيها من الثقة والقدرة على إدارة التعامل بين الناس بمختلف أشكاله وألوانه.

(3)

ولكن ظهرت مشكلة، فالذهب و الفضة قيمتهما عالية و سهل حملهما و تخزينهما، وبالتالي أصحب من السهل سرقتهم وتكبد الأفراد عناء تأمنيها . ولكن كعادة البشر فالحاجة دائما كانت أم الاختراع والتحديات تولد الإبداع و الابتكار فظهر الحل .

بدأ بعض الناس ذو السمعة الحسنة أطلق عليهم الصيرافة في بناء خزائن محمية؛ ليحفظ الناس نقودهم من ذهب و فضة بها، و يتحمل أصحاب الخزائن تأمينها لهم، و يحصل صاحب النقود على وثيقة تفيد ملكيتهم لنقودهم من ذهب أو فضة و كان على هذه الأوراق تعهد من الصيرفي بدفع قيمتها نقودا معدنية بمجرد إرجاعها و بدأ الناس في استعمال هذه الأوراق في تبادل السلع و الخدمات و سميت دور للصرافة و بعد ذلك أصحبت البنوك . وكان أي صاحب بضاعة يبيع بضاعته بهذه الأوراق المصرفية يسارع إلى الصيرفي لسداد قيمتها نقودا معدنية، وهكذا انتشرت الأرواق المصرفية. و مع زيادة الثقة بالصيارفة شاعت الأوراق المصرفية؛ وراج قبولها في التداول بين الناس حتى أصبحوا لا يرجعون للصيارفة كي يستعيدوها نقودا معدنية.

و لان هذه الأوراق تنطبق عليها الشروط السابقة من حيث إنها متجانسة قابلة للتجزئة و قيمتها عالية وسهلة الحمل، ولكون الإصدار مفتوحاً لكل صيرفي فقد شاب العملية فوضوية وتلاعب نتج عنه انحدار سمعة هذه الأوراق وتزعزع الثقة في قبولها وإعلان إفلاس صيارفة. ولإعادة إكساب الأوراق النقدية الثقة والقوة تدخل الحكام وقاموا بتوحيد جهة إصدارها في خزائن صرافة تابعه لهم. وهكذا اختص الحكام بإصدار الأوراق النقدية مع التعهد التام منهم بسداد قيمتها بنسبة (100%) من النقود المعدنية (الذهب والفضة).

و تشير الدراسات التاريخية إلى أن الصين كانت أول بلد طبع العملة الورقية وذلك في عهد سلالة تانغ   (618-907) ولم تصل النقود إلى أوروبا سوى في القرن الرابع عشر، ولم تتطور إلى ما يشبه وظيفتها الحالية سوى في القرن السابع عشر.  فكان أول مصرف أوروبي يصدر العملة الورقية هو مصرف ستوكهولم في عام 1660 إلا أنه فشل في عام 1664 وفي عام 1669 بدأ مصرف اسكوتلندا بإصدار العملات الورقية، ولا يزال حتى الآن، بعد أكثر من 300 عام- يقوم بهذه المهمة بنجاح، ليصبح بذلك المصرف الذي أصدر عملات ورقية لأطول وقت دون توقف.

وفي عام 1660 أصدرت العملة الورقية لأول مرة في أمريكا وذلك في مستعمرة خليج ماسشوتس (إحدى المستعمرات ال13 التي تؤلف أمريكا في ذلك الحين) و هي احدى مدن ولاية بوسطن حاليا.

(4)

ولكن يتبادر إلى اذهاننا سؤال : هل هناك ذهب يكفي لتغطية كل نقود العالم ؟!

مع مرور الوقت أدركت الحكومات أن الحاجة إلى تغطية هذا النقد الورقي تغطية كاملة من النقد المعدني غير ممكنة و غير ضرورية.

في البداية اُشترط بألا تقل نسبة التغطية عن (40%) من قيمة الأوراق النقدية وفي عام (1931م) أبطل نظام تحويل الأوراق النقدية إلى ذهب مطلقا. و لا يعني أن انقطاع العلاقة عدم وجود ركائز مادية ومعنوية تدعم النقد الورقي وتوحي بالثقة به، بل لا بد من وجود غطاء ولو جزئي لهذه النقود الورقية.

و الأساس الاقتصادي السليم الذي تعتمد الدولة عليه في تقدير حجم النقد الورقي الذي تصدره هو أن يكون مساويا لما لديها من موجودات عينية و مادية: فإما أن يكون غطاء محسوساً كالذهب والفضة والسلع والأسهم وغيرها، أو التزاما حكوميا باعتبارها ويكون الالتزام مدعوما بقوة اقتصادية أو عسكرية.

وهذا يفسر لنا التذبذب الكبير في عملات الدول عند حدوث الأزمات السياسية والحروب نظرا لاهتزاز الالتزامات الحكومية بضمان نقودها وعملاتها.

و لم تعد النقود مستودع قيمة مثل الذهب، بل أصبحت تفقد قيمتها مع الوقت لسهولة طباعتها واصبحت النقود سلعة لها قيمة تقل او تزيد.

وبالتالي إن طباعة نقود دون أن يكون لها غطاء يؤدي إلى نتيجة أساسية واحدة، هي: ارتفاع الأسعار، حيث يزيد المعروض النقدي دون أن يقابله زيادة موازية في السلع والخدمات. أي ستزداد النقود الموجودة في أيدي الناس، لكن ستقل قيمتها الحقيقة و قدرتها الشرائية و هو ما يطلق عليه التضخم.


كاتب أعمل كمستقل في مجال التسويق الرقمي، شغوف بالتكنولوجيا ومهتم بعالم المال و ريادة الأعمال.